القاضي عبد الجبار الهمذاني

66

متشابه القرآن

فتخصيصه الفاسق به ونفيه عن غيره ، يدل على أن المراد به العقاب الذي يختص به دون ما سواه . وقال تعالى : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ « 1 » وقال : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ « 2 » وقال : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ « 3 » وكل ذلك يراد به العقاب . ووصف تعالى ما يجرى مجرى إبطال العمل الذي يؤدى إلى النجاة بذلك ، فقال : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ « 4 » وقال : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا « 5 » وقال : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ « 6 » . وقد أضاف ذلك إلى نفسه بمعنى الضلال عن زيادة الهدى ؛ لأنه إذا سلبهم ذلك للمصلحة ، أو على سبيل العقوبة ، جاز أن يقول : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ 7 يعنى : عن الزيادات المؤدية إلى شرح الصدر ، يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 7 » ولا يكون ذلك منعا من الإيمان ، بل يكون بعثا عليه ! لأن من ضاق صدره بالشيء وتحير فيه طلب الخلاص منه ، نحو ما نعلمه من حال الشاك المتحير في أمر الدين والدنيا ، وهذا هو المراد بقوله تعالى ، حكاية عن موسى : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ « 8 » لأنه أراد بذلك : من الذاهبين عن العلم بحاله وأنه معصية ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز أن يضلوا عن الحقيقة ، وهو المراد بقوله :

--> ( 1 ) سورة القمر : 47 . ( 2 ) سورة سبأ : 8 . ( 3 ) سورة الملك : 9 ، وفي الأصل : إن كنتم . ( 4 ) سورة محمد : 4 - 5 . ( 5 ) سورة الكهف : 104 . ( 6 ) سورة محمد : 1 . ( 7 ) سورة الأنعام : 125 . ( 8 ) سورة الشعراء : 20 .